عبد الملك الجويني

73

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومن أصحابنا من صحّح النفل من المضطجع ، ويرى ترك الركوع والسجود ، والاقتصارَ على الإيماء فيهما ، بمثابة ترك القيام ، وهذا ضعيف . وما رآه الإصطخري من النافلة على الراحلة تصريح بجواز الاقتصار على الإيماء بالركوع والسجود . فإن قيل : لعلّه يُخصص ذلك بالمتقلّب ؛ فإنه مضطر ، أو محتاج إلى تقلّبه في البلد ؟ قلنا : لا وجه لذلك ؛ فإن المقيم جُوِّز له أن يمسح على خفّيه يوما وليلة ، وقد يتخيَّل ذلك لأجل ما يليق بتقلّب المقيم . ولكن اللابث في مكانٍ واحد يمسح مسح المتردد . فإذن حاصلُ القول : أن ترك القيام جائز في النفل ، ثمّ ظنّ قوم أن ترك الركوع والسجود في معناه ؛ إجزاءً لهيئات البدن مجرىً واحداً . وذكر الصيدلاني أن المقيم لو كان على دابة واقفة ، فاستمكن من إتمام الركوع والسجود ، وكان مستقبلاً في صلاة النافلة ، صحّت نافلتُه ؛ وإن كانت الفريضة لا تصحّ منه - كما تقدّم ذكره - فالخلاف المقدّم فيمن لا يتمّ الركوع والسجود ، أو يستدبر القبلة ، أو كان يُرْخي ( 1 ) دابته ؛ فإنّ حركتها مضافة إليها . وأما القراءة ، وما يجب عقده في النية ، أو التلفظ به في التحريم ، فالنفل في أصله كالفرض . وصار الأكثرون إلى تخصيص الرخصة بالقيام . 715 - فهذا قولنا في النافلة تقام مع الإيماء ، وفي تنفّل المقيم راكباً وماشياً . ولكن مع أمرين آخرين : أحدهما - كثرة الأفعال التي ليست من الصلاة : كالمشي ، وحركةُ الدابّة بالمصلي في معنى مشي المصلي . والثاني - تركُ استقبال القبلة . والأصل أن النوافل كالفرائض ، فيما يتعلق بالشرائط ، فإذا بَعُدَ تجويز التنفل مُومياً - مع الاستقبال ، والسكون عن الأفعال التي ليست من الصلاة - كان التنفل على الدابة ، وماشياً مع الاستقبال ، أبعدَ عن الجواز ؛ لمكان الأفعال الكثيرة ؛ وكان التنفّل راكباً - مع ترك الاستقبال - على نهاية البُعد ؛ لمكان الاستقبال .

--> ( 1 ) " يُرخي دابته " يقال : أرخى الدابة ، ولها : طول لها الحبل . " المعجم " والمراد هنا أنه أطلق حركتها ، وتركها تسير .